الشريف المرتضى
416
تفسير الشريف المرتضى ( نفائس التأويل )
الجميل والخير ، والبلوى المقصور في السوء والشرّ ، وقال قوم : أصل البلاء في كلام العرب الاختبار والامتحان ، ثمّ يستعمل في الخير والشرّ ؛ لأنّ الاختبار والامتحان قد يكون في الخير والشر جميعا ، كما قال تعالى : وَبَلَوْناهُمْ بِالْحَسَناتِ وَالسَّيِّئاتِ « 1 » ، يعنى اختبرناهم ، وكما قال تعالى : وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً « 2 » ، فالخير يسمّى بلاء ، والشرّ يسمّى بلاء ؛ غير أنّ الأكثر في الشرّ أن يقال : بلوته أبلوه بلاء ، وفي الخير : أبليته أبليه إبلاء وبلاء ؛ وقال زهير في البلاء الذي هو الخير : جزى اللّه بالإحسان ما فعلا بكم * وأبلاهما خير البلاء الذي يبلو « 3 » فجمع بين اللغتين ، لأنّه أراد : أنعم اللّه عليهما خير النعمة التي يختبر بها عباده . وكيف يجوز أن يضيف تعالى ما ذكره عن آل فرعون من ذبح الأبناء وغيره إلى نفسه ، وهو قد ذمّهم عليه ، ووبّخهم ! وكيف يكون ذلك من فعله ؛ وهو قد عدّ تخليصهم منه نعمة عليهم ! وكان يجب على هذا أن يكون إنّما نجّاهم من فعله تعالى بفعله ، وهذا مستحيل لا يعقل ولا يحصل ؛ على أنّه يمكن أن ترد قوله : ذلِكُمْ إلى ما حكاه عن آل فرعون من الأفعال القبيحة ؛ ويكون المعنى : في تخليته بين هؤلاء وبينكم ، وتركه منعهم من إيقاع هذه الأفعال بكم بلاء من ربّكم عظيم ؛ أي محنة واختبار لكم . والوجه الأوّل أقوى وأولى ، وعليه جماعة من المفسّرين . وروى أبو بكر الهذليّ عن الحسن في قوله تعالى : وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ ، قال : نعمة عظيمة ؛ إذا أنجاكم من ذلك ؛ وقد روي مثل ذلك عن ابن عباس والسّديّ ومجاهد وغيرهم . فأمّا إضافة النّجاة إليه وإن كانت واقعة بسيرهم وفعلهم ؛ فلو دلّ على ما ظنّوه لوجب إذا قلنا : إنّ الرسول أنقذنا من الشّكّ ، أخرجنا من الضلالة إلى الهدى ، ونجّانا من الكفر أن يكون فاعلا لأفعالنا .
--> ( 1 ) سورة الأعراف ، الآية : 168 . ( 2 ) سورة الأنبياء ، الآية : 35 . ( 3 ) ديوانه : 109 ؛ والرواية فيه : « رأي اللّه بالإحسان . . » ، وهي رواية الأصمعي .